بداية طريقٍ لا عودة منه

يكشف التاريخ أحيانًا أعظم حقائقه، لا في نهاية المسيرة، بل عند نقطة انطلاقها. فكثيرٌ من المسارات التي أصبحت اليوم تجمع ملايين البشر، بدأت يومًا بعددٍ قليل من المؤمنين الثابتين المفعمين بالأمل. ولم يكن سرُّ بقائها في القوة الظاهرة، ولا في الإمكانات، ولا في كثرة الأنصار في بداياتها، وإنما في الاستمرار، والإيمان، ونقل الرسالة من جيلٍ إلى جيل.

إن تزامن مسيرة الأربعين الحسيني مع مرور نحو خمسة أشهر على استمرار حضور شريحةٍ من أبناء الشعب الإيراني في الشوارع، يذكّر كثيرين بهذه السنّة التاريخية؛ تلك السنّة التي تؤكد أن الحركات التي تنشأ على أساس العقيدة، أو الهوية، أو المطالبة بالحقوق، إذا حافظت على استمراريتها، فإنها تمتلك القدرة على التحول من حركة محدودة إلى تيارٍ تاريخي مؤثر.

وتُعدّ زيارة الأربعين نموذجًا جليًا لهذه الحقيقة. فوفقًا للمصادر التاريخية، كان أوائل زوار الأربعين جماعةً قليلة من محبي أهل البيت عليهم السلام، الذين حافظوا في السنوات الأولى بعد واقعة عاشوراء على إحياء ذكر الإمام الحسين عليه السلام، رغم أجواء القمع الشديد التي فرضتها الدولة الأموية. وفي ذلك الزمن، لم يكن أحدٌ ليتصور أن هذه الخطوة الصغيرة ستتحول، بعد أربعة عشر قرنًا، إلى أكبر تجمعٍ سنوي في العالم، يشارك فيه اليوم عشرات الملايين من البشر القادمين من عشرات الدول، بمختلف لغاتهم وثقافاتهم وقومياتهم.

ويكمن سرُّ خلود الأربعين تحديدًا في هذه الحقيقة. فلم تكن هذه المسيرة ثمرة دعوةٍ حكومية، ولا نتاج منظمةٍ مركزية، وإنما نمت عبر النقل المتواصل لعقيدةٍ راسخة داخل الأسر، والمواكب الحسينية، والأجيال المتعاقبة، والشبكات الشعبية، حتى اتسعت قرنًا بعد قرن. وقد تعرّضت هذه السنّة عبر التاريخ لمحاولات متكررة لإيقافها؛ فمن القيود التي فرضتها الدولتان الأموية والعباسية، إلى الحظر الصارم الذي مارسه نظام البعث في العراق، لم ينجح أيٌّ منها في إطفاء شعلة هذه المسيرة. وحتى في السنوات التي كانت فيها زيارة الأربعين تُعدّ جريمة يُعاقَب عليها، واصل عددٌ قليل من عشاق الإمام الحسين عليه السلام هذا الطريق سرًّا، وكان هذا الاستمرار هو الذي مهّد لنهضتها العظيمة في العقود اللاحقة.

يرى علماء الاجتماع المختصون بدراسة الحركات الاجتماعية أن كثيرًا من التحولات الكبرى لا تبدأ بانفجارٍ عددي، وإنما تنشأ من ثبات النواة الأولى. فإذا استطاعت تلك النواة أن تحافظ على هويتها، وروايتها، ورسالتها، فإن مزيدًا من الناس سينضمون إليها تدريجيًا. وتُعدّ مسيرة الأربعين واحدةً من أوضح الشواهد التاريخية على هذه القاعدة؛ إذ بدأت بأقليةٍ محدودة، ثم تحولت مع مرور الزمن، من دون أن تفقد صلتها بهدفها الأول، إلى هويةٍ عالمية.

ومن هذا المنظور، يمكن ملاحظة تشابهٍ في منطق النمو بين زيارة الأربعين والعديد من الحركات الاجتماعية المعاصرة. فكلاهما يبدأ بعددٍ محدود من المشاركين، وكلاهما يواجه ضغوطًا وتكاليف واستنزافًا يفرضه مرور الزمن، وكلاهما لا يكتب له البقاء إلا إذا قدّم المشاركون فيه قيمة الاستمرار على الحماس العابر، وكلاهما، إذا نجح في تجاوز هذه المرحلة، يمكن أن يتحول إلى جزءٍ من الذاكرة والهوية الجماعية.

وتؤكد تجارب تاريخية أخرى هذه الحقيقة أيضًا. فحركة استقلال الهند، والنضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، لم تبدأ أيٌّ منها بملايين المشاركين، بل انطلقت من مجموعاتٍ صغيرة تحملت أثمانًا باهظة، ثم اتسعت دائرتها مع مرور الوقت. وما يجمع بين هذه التجارب جميعًا هو الإيمان بقيمة الاستمرار؛ أي الإيمان بأن الزمن، إذا اقترن بالإرادة الجماعية، يمكن أن يصبح أعظم رأسمال تمتلكه أي حركة اجتماعية.

ومن هذا المنطلق، فإن تزامن مسيرة الأربعين مع مرور خمسة أشهر على استمرار حضور شريحةٍ من أبناء الشعب الإيراني في الشوارع، لا يُنظر إليه عند كثيرين بوصفه مجرد مصادفةٍ زمنية، بل باعتباره تذكيرًا بنموذجٍ تاريخي متكرر؛ إذ إن الحركات الخالدة لم تبدأ يومًا بملايين الناس، وإنما بدأت غالبًا بأقليةٍ كانت مستعدة لتحمل التضحيات، والمحافظة على الأمل، ونقل رسالتها إلى الأجيال اللاحقة. وإذا لم تنقطع سلسلة هذا الاستمرار، فإن مرور الزمن لا يؤدي إلى إنهاك الحركة، بل يتحول إلى أكبر عناصر قوتها.

ولعلّ أهم الدروس التي تقدمها مسيرة الأربعين يتمثل في أن التاريخ لا تصنعه الأكثريات دائمًا منذ اللحظة الأولى. فكثيرًا ما تكون البداية على يد أقليةٍ ثابتة تحافظ على مبدئها، فتفتح طريقًا يصبح، بعد قرون، مسارًا تسير فيه ملايين البشر.

ومن هذا المنظور، يرى كثيرٌ من المراقبين أن هذا التزامن لا يمثل مجرد تقاطعٍ زمني، بل قد يكون مؤشرًا على بداية مسارٍ يُرسم أفقه في المستقبل البعيد، لا في الحاضر وحده؛ مسارٍ قد يُنظر إليه، في رؤية المؤمنين بفكر المهدوية، بوصفه جزءًا من عملية التمهيد لظهور حضرة وليّ العصر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، من خلال ترسيخ ثقافة الصبر، والاستمرار، والوفاء بالمبدأ، وبناء الوعي الجمعي القادر على حمل الرسالة عبر الأجيال.

إن التجارب التاريخية تؤكد أن الأفكار العظيمة لا تُقاس بحجمها في بداياتها، وإنما بقدرتها على البقاء، والتجدد، واستقطاب الإنسان جيلاً بعد جيل. وما دامت العقيدة حيّة في الضمائر، والهدف واضحًا في الأذهان، والإرادة ثابتة في النفوس، فإن الزمن لا يكون عائقًا أمام الحركات، بل يتحول إلى شريكٍ في بنائها وترسيخها.

وهكذا، تبقى مسيرة الأربعين أكثر من مجرد مناسبة دينية أو حدثٍ سنوي؛ إنها شاهدٌ تاريخي على أن الاستمرار هو الذي يصنع التحولات الكبرى، وأن الحركات التي تنجح في الحفاظ على هويتها ورسالتها، مهما كانت بداياتها متواضعة، تمتلك القدرة على أن تتحول إلى ظواهر حضارية يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا والأجيال.

حمید رابعی

رئيس تحرير موقع الأربعين
Arbaein.ir

حتما ببینید

لیندزی گراهام ، درگذشت

پرونده لیندسی گراهاممیراث یکی از سرسخت‌ترین حامیان سیاست فشار و تقابل با جمهوری اسلامی ایرانلیدلیندسی …

تحلیل سناریوی احتمالی پس از تهدید دونالد ترامپ به خاطر ترورعلیه ایران

رئیس جمهور آمریکا در پیامی که در شبکه اجتماعی «تروث سوشال» منتشر کرد، تهدید کرد …

دیدگاهتان را بنویسید